الكاتب إدريس زوزاني

الكاتب إدريس زوزاني

الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

"دور الكادر الأيزيدي البارتي في الخارج"

انه الوقت الذي يفصل المرء بين مشاعره العاطفية وبين ما يحمله من المسؤوليات الاخلاقية تجاه وطنه وشعبه من خلال العمل السياسي الذي يمارسه من أجل بعض القضايا المصيرية والمهمة، لذا عليه التعامل بكل جدية وإخلاص مع ما يقوم به من العمل السياسي مع الجهة التي ينتمي اليها ويعمل لصالحها ضمن الأسس الفكرية والمبادئ الأساسية لتلك الجهات عن قناعة تامة بعيدا عن جميع التأثيرات الجانبية، أو تحت اية ضغوطات معينة أو حسب رغبات بعض القوى والأحزاب السياسية أو تحت تأثيرات بعض الأشخاص لأسباب واهية ليس لها أهمية سوى خدمة المصالح الشخصية أو الفئوية الضيقة...
يمر إقليم كوردستان اليوم بشكل عام والمناطق التي يسكنها المجتمع الأيزيدي بشكل خاص في ظروف أمنية حرجة هي الأخطر من نوعها، جراء الهجمات التي يشنها تنظيم دولة الخلافة الإسلامية (داس) الإرهابي مؤخرا على مدينة شنكال وضواحيها، لتحل بأهلها المسالم البريء كارثة إنسانية كبيرة، بالرغم من أنها كانت محمية بقوة عسكرية لكنها لم تتمكن من مقاومة الإرهابيين كثيرا ولأسباب غير معروفة، سوآءا كانت خارجة عن إرادة المسؤولين في المدينة أو أنها كانت تخاذلا من بعض القيادات العسكرية المتمركزة هناك، ويعتبر ذلك جبنا منهم كما أنه تقصيرا تجاه أداء عملهم ومهمتهم المكلفين بها...
لذا وقعت في هذه الأثناء بعض الأخطاء الفادحة التي جعلت الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يدفع ثمنها غاليا لأنه كان ولايزال يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في العديد من الجوانب وأهمها لكون غالبية أهالي شنكال من الموالين لهم، كما يمتلك قدر كبير من الكادر التنظيمي هناك، لذلك كان ولابد من أن يقوم هذا الكادر الحزبي بدوره ويستخدم كافة الوسائل لتخفيف حجم الكارثة والتعامل معها بالشكل المطلوب. هذا بالرغم من تواجد المواليين لبقية الأحزاب والتنظيمات الكوردستانية الأخرى الموجودة في المنطقة. كان من واجب الجميع التكاتف وتحمل المسؤولية مع بعضهم تجاه المصير المشترك في مواجهة المخاطر، إلا أن الحصة الأكبر من المسؤولية تقع على عاتق الحزب الديمقراطي الكوردستاني وهذا ما يتقبله قيادتها التي تحاول اليوم بشكل جدي وبكافة الوسائل والإمكانيات المتاحة لديها السيطرة على ما فقد من التوازن العسكري والنفوذ السياسي في المنطقة ومن ضمنها مدينة شكنال وبقية المناطق التي يسيطر عليها الان قوة الشر والتكفير والإرهاب...
لقد تسببت هجماتهم الإرهابية إلى مقتل وتشريد الكثير من الناس الأبرياء وسبي العديد من النساء والبنات، وتضرر البلاد والعباد من خلالها، كما ذهبت ضحيتها الصغار والكبار، لتتحول المدينة جراءها إلى معقل الأشباح ومصدر الإرهاب بانتظار الإفراج والخلاص من فك الوحوش المفترسة، وتطالب النجاة من ظلم هؤلاء المرتزقة وإنقاذ ما تبقى من الأبرياء في الجبال، وحماية جميع الأماكن المقدسة هناك، كما ضحى الكثيرون من الرجال الشجعان بأرواحهم الزكية فداء في سبيل عودة المدينة الى سابق عهدها وتحريرها من دنس الطغاة وتنظيفها من قذارة هذا التنظيم الإرهابي النتن، ولا زالت التضحيات متواصلة والمحاولات مستمرة من أجل تطهير المدينة، وجميع المناطق التي تقع تحت سيطرتهم ...
وبالرغم من الدور المشرف للجالية الكوردية بشكل عام والأيزيديين بشكل خاص في الخارج حول مساندة أهالي مدينة شنكال والتضامن مع آلامهم ومآسيهم، سواء كانت عن طريق التظاهرات السلمية  العارمة وعن طريق مطالبة الدول والحكومات الأوربية لمساعدتهم في محنتهم....
إضافة إلى الضغط المتواصل على منظمات المجتمع المدني للقيام بدورهم الإنساني تجاه النازحين، لكن مع الأسف الشديد نرى في الوقت نفسه ظهور طابور خامس نشأ في الخارج مع بداية الأحداث الجارية في كوردستان وعلى شكل خلايا سرطانية منظمة تقوم بنشر سمومها الإعلامية في العديد من البلدان الأوروبية، أغلب هؤلاء هم من الذين كانوا يعملون لصالح الأحزاب والتنظيمات المعادية للحركة التحررية الكوردية في الماضي ويستمجدون بسياساتهم الدكتاتورية في الحاضر على أمل عودة حكمهم الفاشي ثانية، لذا يحرضون فئة معينة من العامة للقيام بكتابات معادية ضد الدين والقومية في الاقليم، مع العلم بأن أغلب هؤلاء هم ليسوا من أهالي مدينة شنكال ولديهم نيات مبيتة تجاه القضية الكوردية ومواقفهم واضحة من هذا الاتجاه...  
والغريب هنا عندما نشاهد الدور المتدني للكثير من كوادر الأيزيديين المحسوبين على الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الخارج وخروج العديد منهم عن صمتهم وتوجه أصابع الاتهام إلى القيادات الحزبية بما حدث لمدينة شنكال دون التأكد من مراجعهم الحزبية عن أسباب وتداعيات تلك الحادثة الأليمة، وذلك تلبية لمطالب الأخرين واستسلاما لإرادة بعض المنافقين من أصحاب السوابق أبان حكم النظام الدكتاتوري في البلاد....
وتوارى البعض الأخر أنفسهم من جميع النشاطات والتظاهرات الجماهيرية وحتى السياسية باستثناء القليل منهم، كما تواروا عن أنظار وسائل الإعلام بكافة أنواعها تحاشيا من المواجهة مع بعض المتطفلين الذين احتلوا بدورهم المواقع الاجتماعية وصفحات الأنترنت لغرض إساءة الأخرين، ولا يزال الكثيرون منهم لا يتجرؤون استخدام مواقعهم الشخصية تفاديا لعدم مواجهتهم...
كما أنضم القسم الأخر منهم إلى الطابور الخامس وبدأوا يتحدثون عن مجريات الأحداث حسب مزاجهم الخاص ويكتبون عن الواقع بالطريقة التي تتناسب مع مصالحهم الشخصية وإرضاء من كلفهم بالأمر وجعلهم ينقلبون عن المبادئ التي كانوا يؤمنون بها قبل الأحداث. علما إن اغلب هؤلاء المنقلبين كانوا يقفون في الصفوف الأمامية للحزب أثناء المحافل الرسيمة وكانوا حجر عثرة أمام الكثيرين من الكوادر ومؤيدي الحزب في الكثير من الأحيان لسبب أو لأخر، كما أن أغلبهم كانوا ولا يزالون يستلمون أكثر من راتب رسمي سوآءا هم ومن حولهم من خلال الحزب في الإقليم، لكن يبدوا أن الأحداث الأخيرة جعلتهم يشعرون أن ما كانوا يتقاضون من الرواتب كانت على حساب اولائك الذين أصبحوا ضحية أخطائهم اليوم، لذا قرروا الوقوف في صفوف تلك الطوابير المشؤومة التي تسعى الى اختلاط الأمور ببعضها من خلال التحريض إلى الفتنة القومية والدينية البغيضة...
هنا نحث الجميع على أن يكونوا حذرين من مثل هذه المحاولات اليائسة التي قد تؤدي إلى حدوث شرخ بين المكونات المتعايشة في المنطقة وعدم الانجرار وراء أية دعوات مشبوهة قد تقوي للتحريض على العنف وتلحق الأضرار بمصالح المجتمع بأكمله.
ونختم موضوعنا هذا بالمقولة الشهيرة " إذا كان رب البيت بالدف ناقر فشيمة أهل البيت الرقص"

إدريس زوزاني
ألمانيا 29/10/2014

الأحد، 19 أكتوبر 2014

"رسالة مفتوحة الى بيت الأمارة"

الى كل من:
سمو الامير فاروق سعيد بك المحترم.
سمو الامير كاميران خيري بك المحترم.
سمو الامير حازم تحسين بك المحترم.

كما هو معلوم لدى الجميع بانه يمر المجتمع الايزيدي بظروف صعبة وفي محنة كبيرة جراء الاحداث الاخير وما يجرى لمناطقنا من الاعمال التخريبية من قبل تنظيم الدولة الاسلامية الارهابي المتطرف (داس). لتتعرض من خلالها المجتمع الكوردي بشكل عام والايزيدي بشكل خاص الى ابشع انواع  الظلم والاضطهاد من القتل والنهب والتشريد، لتتحول بعدها الوضع الى كارثة انسانسة كبيرة في مدينة شنكال لم يشهدها التاريخ الحديث...
لذا يتطلب الوضع هنا الى الكثير من الصبر والتحمل والحكمة في جميع النواحي وعلى كافة الاصعدة، وعلى الجميع تحمل المسؤولية التاريخية تجاه ما يحصل في المنطقة من الكارثة الانسانية البشعة...
ولايخفي على احد ما يقوم به قوات بيشمركه كوردستان الشجاعة في كافة قطاعات المعركة من الهجمات الشرسة ضد هذا التنظيم الارهابي واحرازهم البطولات والانتصارات المتواصلة طوال اشهر متكاملة ضحى من خلالها الكثير من الارواح الزاهية وسال الكثير من الدماء الزكية دفاعا عن شرف وكرامة كوردستان برمتها، وكلنا امل بان يتحرر جميع المناطق التي وقعت بيد الارهابيين تحت اية ظروف كانت بما في ذلك مدينة شنكال واطرافها وباسرع وقت ممكن، لكي يعود من تشردوا من تلك المناطق الى ديارهم مرفوعين الراس وينتهي من محنتهم...
ان ما نراه من خلال هذه الاحداث الاليمة هو الشعور بوجود فئة قليلة من ابناء المجتمع الايزيدي باستغلال هذه الاحداث كفرصة سانحة تمنوها منذ زمن بعيد من اجل تحقيق مصالحهم الشخصية او الفئوية الضيقة، وليس همهم ما يجري لابناء المجتمع الايزيدي من الويلات، بل انها لتسهيل اجنداتهم الخاصة لتي طالما انتظروا هذه الفرصة لتنفيذ مخططاتهم الدنيئة والاصطياد من خلالها في المياه العكرة...
هذا وكما ذكرنا في مقال سابق بان سمو الامير تحسين بك شخصية مرموقة له مكانته الخاصة لدى الجميع، عليها يحتاج الى هيئة استشارية واعية في كافة المجالات بالاضافة الى متحدث رسمي ينوبه في كافة المحافل الدولية الرسمية، وليس ان يقوم سموه شخصيا باطلاق التصاريح واجراء المقابلات والحوارات على المنابر الاعلامية، لكي لا يقع في بعض الاخطاء الغير مقصودة والتي يتاثر على شخصه سلبا...
لذا ما نتمناه من جنابكم الأفاضل في هذه الاثناء ان تخطوا خطوة كهذه وان يتم اختيار الاشخاص المناسبة ذوي الخبرة العالية في كافة المجالات كي يتحدثوا باسم سمو الامير مستقبلا، لتجنب الاخطاء الذي من الممكن ان يقع فيها سموه وان يجعل موقفه حرجا امام الراي العام الكوردي اولا وبين بني جلدته ثانيا...
سادتي الكرام الغرض من توجيه هذه الرسالة هو ما يتعرض له سمو الامير العديد من الانتقادات في الفترة الاخيرة من خلال بعض التصريحات الذي صدر باسمه كذلك عندما نزول سموه الى الشارع لمشاركة التظاهرات من اجل بني جلدته في الخارج مع العامة من الناس ليتعرض اثنائها الى مواقف محرجة لايليق به، كما تلك البيانات التي وقعت باسمه ونشر على صفحات الانترنت وكذلك التسجيلات الصوتية الموالية اليه في العديد من المناسبات، بالاضافة الى لقائه الاخير مع قناة العربية في برنامج خاص والذي اصبح محل انتقاد الكثير من ابناء المجتمع...

في الأخير نقول بان لسمو الامير مكانة خاصة لدى القيادة السياسية الكوردستانية بشكل عام ولدى شخص الرئيس بارزاني بشكل خاص، لذلك من الأفضل الإحتفاظ بمكانته كأمير لجميع ابناء المجتمع الكوردي وعدم الانجرار وراء افكار بعض الاشخاص الذين لديهم اجندات خاصة للإقتراب الى شخصه الكريم والهدف من وراءها الإساءة الى سمعته ومكانته...

نتمنى للأمير المبجل الشفاء العاجل والصحة والسلامة والعمر المديد والعودة الى أحضان الوطن للعيش بالقرب من لالش النوراني لأنها أمانة دينية كبيرة تقع مسؤولية حمايتها على عاتقه الى أخر رمق في حياته.
وما التوفيق إلا برب العالمين.

إدريس زوزاني
ألمانيا 19/10/2014

السبت، 20 سبتمبر 2014

"كارثة شنكال ومجزرة باسا وجهان لعملة واحدة"

مما يظهر للجميع ان التكرار في عالم الشرق الاوسط، وبالتحديد في الدول التي تنتهج غالبية شعوبها الثقافات الاسلامية المتطرفة التي لا تزال تعيش اوهام زمن الجاهلية والتفكير برجوع عصر الخلفاء والسلاطين على عروشهم، هؤلاء الذين لا يؤمنون بالتسامح والتعايش السلمي ونهج الديمقراطية والمساواة داخل مجتمعاتهم ويحاولون اعادة التاريخ الى الوراء، نقول لهم إن ذلك العهد قد ولى...
لذا اود الاشارة هنا الى بعض المعطيات لحادثتان منفصلتان متشابهتان من حيث حجمهما الكارثي واسلوبهما الاجرامي الكبير، الا وهو (الفرمان) او الابادة الجماعية للأيزيديين الباسيين في تركيا من قبل الجيوش العثمانية، وبمساعدة المتخاذلين معهم من رؤساء العشائر المحسوبين على الكورد في المنطقة. وبين ما حصل من  الكارثة الانسانية بحق المكون الأيزيدي في مدينة شنكال من حيث القتل والظلم والتعسف جراء تعرضها الى الهجوم المفاجئ من قبل مرتزقة تنظيمات الدولة الاسلامية (داس) الارهابي والمتخاذلين معهم من العشائر العربية وبعض من الاشخاص الضالين المحسوبين على الكورد في المدينة...
هنا يجب ان لا نستغرب لمثل هذه الامور لطالما نعيش في دول قوانينها سائدة وتشريعاتها معمولة ومستندة على هذا الاساس والجهات الرسمية ملزمة بتنفيذ بنودها وتؤيد افكار مجتمعاتها في اروقتهم السياسية تلبية لضغوطات ميولهم الدينية...

حملة ابادة (فرمان) الباسيين في تركيا 14/05/1916.
منطقة باسا تابعة لمدينة سيرت التي تقع في جنوب شرق تركيا، وتتكون المنطقة من عدة قرى يسكنها الأيزيديين الى جانب المسلمين والمسيحيين الارمن وتسمى ذلك المنطقة ب"بوتان". تعرضت الاقليات الدينية هناك الى حملة ابادة جماعية بطريقة وحشية من قبل الجيش العثماني التي بدأوها بالمسيحيين الارمن وانهوها بهذه الشريحة التي انتمي اليها بكل فخر واعتزاز...
اصدر الى الجيش العثماني القرار (الفرمان) للقيام بحملة ابادة جماعية على المكونات الصغيرة التي لا تعتنق الاسلام في الدولة التركية، حيث بدأوها بالمسيحيين الارمن الى ان وصلت الكارثة لمدينة سيرت وضواحيها بالكامل. حيث قتل جراءها الالاف المؤلفة وشرد وهجر الكثيرين منهم قسرا، ثم الضغط على من تبقى هناك اعتناق الإسلام جبرا، ليصل بعدها الامر بالتوجه نحو المناطق التي يسكنها الأيزيديين وبالأخص قرى الباسيين، الذين كان لهم موقف مشرف تجاه النازحين المسيحيين في محنتهم وإيوائهم في قراهم وبيوتهم واخفائهم عن انظار الجيش التركي...
بعدها واصلوا المجرمون مهمتهم ونفذوا مخططهم وتقدموا باتجاه قرى الباسيين الذين اعتبروا انفسهم بأمان جراء الوعود التي اخذوها من رؤساء العشائر الكورد في المنطقة آنذاك بعدم مغادرة مناطقهم والبقاء في بيوتهم لكونهم تحت حمايتهم، الى ان تصل في تلك الاثناء قوافل الجيش العثماني الغادر وعاملتهم معاملة المسيحيين وفرضوا عليهم الاعتناق بالإسلام او مواجهة المصير المجهول، ليهرب في تلك الاثناء من تمكن الهرب ويلاقي البقية حتفهم ونهب اموالهم وممتلكاتهم...
يؤلمني هنا ما كانوا يحدثونها به لنا اجدادنا الباسيين من قصص محاصرتهم وكيفية مواجهتهم المصير المحتوم، ولم يكن وقتها باستطاعتهم سوى مواجهة الموت او الاعتناق للإسلام، لأن من اعطاهم الامان غدروا بهم وطلبوا منهم التخلي عن دينهم بدلا من مواجهة الموت المحتوم. وكانوا يكملون حديثهم بان الموت بكرامة كان افضل من ترك معتقداتهم التي خلقها الله لهم...
واستمروا بحديثهم بان من تبقى من الناجين من هذه الحملة الشرسة توجهوا الى الجبال مختبئين فيه نهارا وسائرين ليلا، لحين وصولهم الى المناطق المحاذية لحدود مع العراق، وبالتحديد في قرية اسمها (جفتك). وطلبوا الباسييون منهم ايوائهم او حمايتهم  لبضع ساعات لأخذ قسطا من الراحة جراء التعب والارهاق والالم الذي لحق بهم. الا ان اهل القرية ومع الاسف الشديد طلبوا منهم تسليم اسلحتهم مقابل ما يطلبونه، وعند تسليم الاسلحة منهم تسلل الغدر الى قلوبهم وماتت ضمائرهم وبدأوا بقتل الاطفال وذبح الرجال وسبي النساء بطريقة وحشية وغير انسانية، وكما تبين في حديث احداهن كيف انهم كانوا يشقون بطون الحوامل بحراب بنادقهم، وكيف كانت الحرائر تربط ضفائرهن ببعضهن ويرمون بأنفسهن في نهر الخابور كي لا يقعن بأيدي هؤلاء المجرمين، وكانوا يفضلن الموت على الحياة، كما كان هنالك الكثير من مثل هذه الكوارث والقصص الاجرامية والمخيفة التي ارتكبت بحقهن في حينها...
ذكرتني هذه الحادثة بصرخة رجل شنكالي حينما صرح على الملء لقد غدر بنا جارنا الذي طهرت ابني في حضنه وتبين بعدها بانه كان من بين أولئك الذين قاموا بسلب اموالنا وخطفوا بناتنا امام انظارنا. لتوقفني كلماته وتذكرني ما حدث لأجدادنا قبل حوالي قرن تقريبا، وانتابني في لحظتها جرح عميق والم شديد، والحسرة اصبحت حسرتان واشتد بي الضيق وقتها للعيش بكرامة وحرية، وقلت لنفسي كم يشبه اليوم بالبارحة...
ولم تنجوا من هذه الكارثة المروعة الا العدد القليل من افراد هذه الشريحة حيث توجه قسم منهم الى مدن دهوك والموصل في العراق، كما اختبأ البعض منهم في المناطق الكوردية جنوب تركيا للخلاص بأرواحهم، وليتمكنوا خلالها الحفاظ على معتقداتهم ومبادئهم بالرغم من كل الويلات والماسي التي حلت بهم. وتزايدت بعدها اعدادهم حيث يعيش الان القسم الاكبر منهم في جنوب مدينة دهوك / كوردستان وكذلك الذين كانوا يعيشون في تركيا، يتواجدون حاليا في جمهورية المانيا واعدادهم في تزايد ملحوظ. بالإضافة الى من ارغموا الاعتناق للإسلام عنوة، لا يزالون يعيشون البعض منهم في جنوب تركيا ...
لا يخفي على احد ان ما حدث في مدينة شنكال مؤخرا بانها كانت كارثة حقيقية وراءها الافكار الاصولية المتطرفة التي تربطها الكثير مما حدث من حملة الابادة في باسا، وكما يظهر لنا من حيث الافكار الضيقة النظر بان الكارثتان وجهان لعملة واحدة.

كارثة شنكال في العراق 03/08/2014.
شنكال مدينة تاريخية عريقة تقع غرب مدينة الموصل ويعود تاريخها الى ثلاثة الاف سنة ق. م. وانها معروفة بصمودها وشجاعة اهلها، غالبية سكانها من المكون الأيزيدي الى جانب عدد قليل من المسلمين والمسيحيين، قاومت منذ نشأتها الجيوش الجرارة وهزمت الطغاة بكل اشكاله، لم تستسلم يوما لأعدائها بالرغم من كثرة معاناتها، كما انها نالت بما فيه الكفاية من الظلم والاستبداد. لقد سلبت حرياتها الشخصية كما تعرضت الى التهجير القسري وعربت مناطقها وحاولوا انتشار الفساد في جميع اروقتها والتأثير على كافة مكوناتها، لكنها عاندت واصرت على ان تبقى حرة صامدة في وجه كل من تطاول على حرماتها والنيل من كرامتها، وصدت كل من اراد الاساءة الى محيطها الاجتماعي...
لكن جراء الاحداث التي مرت بها المنطقة في الآونة الاخيرة وبسبب دخول التنظيمات الارهابية التي تسمي نفسها دولة الاسلام (داس) الى العراق وتعاملها الغير اخلاقي مع جميع المكونات العرقية والاجتماعية فيها، وما حصل لها من القتل على الهوية والذبح على الطريقة الاسلامية، حيث بدأوها بالمسيحيين الابرياء في الموصل واطرافها واجبارهم على الاختيار بين الاعتناق للإسلام او الرحيل من ديارهم او مواجهة الموت الزؤام، ليترك الجميع بيوتهم جراءها، ثم يحول المسار من بعدها تجاه مدينة شنكال وكافة مجمعاتها والمناطق التابعة لها...
لذا مع بدء صباح يوم 03/08/2014 شنت مرتزقة التنظيمات الارهابية على اوسع جبهاتها هجوما مباغتا غير متوقعا على هذه المدينة التي كانت محمية من قبل قوات البيشمركه، التي تخاذل بعض من قياداته العسكرية وتركزا مواقعهم الدفاعية وأمروا بقية القوات بالانسحاب من المنطقة بأكملها، ليتدخل بعدها الارهابين المجرمين والمتعطشين لقتل الابرياء الى المدينة واحتلالها...
وجراء ذلك الهجوم الذي شمل جميع انحاء المدينة تركوا الناس بيوتهم نازحين الى الجبال بشكل مفاجئ ومخيف، وتعرض من لم يتمكن من الهرب منهم الى اشرس انواع الظلم والاجرام. لقد ذبحوا من خلالها الاطفال وقتلوا الرجال وخطفوا وسبوا النساء بطريقة وحشية بعيدة عن كافة القيم الاخلاقية والمبادئ الانسانية...
ان ما حصل لهذه المدينة في تلك الاثناء لا يمكن للعقل ان يتقبله ولا لعاقل ان يصدقه ولا يستطيع الضمير استيعابه. لقد اصبح اقرب الناس عدوا لهم، هل اخطأت الكتب السماوية والادبيات الاجتماعية عندما دونت في طياتها بان حق الجار على الجار؟ وهل يصح ما نسمعه اليوم بان الجار يعتدي على جاره ولأتفه الاسباب فقط كونه لا ينتمي الى عقيدته؟ او ان يكون الجار عونا لنصرة الاعداء على جاره الذي ترعرع معه!! ووقف الى جانبه في السراء والضراء!! والذي عاشره حياته اليومية وشاركه الاحزان والافراح!! هل حقا وصل الحال بالإنسانية ان يتعدى الجار حرمات جاره؟ ام انها سفالة لن يفعلها سوى عديم الضمير والمجرد من الاخلاق، يا ترى كيف للمرء ان يستمتع بأحزان غيره!! يا له من زمن لا للإنسانية مكان فيه. هذا ما حدث في مدينة شنكال مؤخرا ومع الاسف...
كم من الاطفال قتلوا، وكم من النساء سبوا، وكم من الشباب ذبحوا، وكم من الالاف المؤلفة هاجروا بيوتهم ونزحوا الى الجبال، يا ترى ما ذنبهم؟ هل يعقل ان يصبح الانسان مهاجرا في وطنه وهو في عصر العولمة، ما ذنب هؤلاء الابرياء الذين نزحوا الى الجبال، اين هي الانسانية؟ يحاولون اعادة الزمن الى ما بعد العصور الجاهلية وزمن العبودية، ونحن نعيش في زمن العولمة، للأسف الشديد هذا ما حدث في مدينة شنكال مؤخرا...
لا شك ان حجم الكارثة كانت كبيرة، وانها فاقت جميع التصورات، والتضحيات جسيمة بعيدة عن كافة التوقعات، والخسائر لا تعد ولا تحصى. توجه الناس جراءها الى مصير مجهول، لم يكن لهم سند غير الجبل، ولم تكن لهم سوى الصرخة مفر، لقد حاصرهم الاوغاد لأيام بلياليها، دون ماء ولا طعام ولا مأوى، غطاؤهم كانت الصخور القاسية، وتحت حرارة الشمس العالية، فعلا انها كارثة انسانية كبيرة، لا بل انها ابادة جماعية واجهها الأيزيدييون في عقر دارهم، لم تشهد لها البشرية مثيل...
الاباء في انتظار عودة اولادهم، والامهات في انتظار عودة بناتهم المخطوفات، وينتظر الاولاد عودة اخواتهم والبنات بانتظار حرياتهم من الاسر، والزيجات تنتظر رؤية ازواجهم ثانية، والطلاب ينتظرون العودة الى مدارسهم، بينما ينتظر الجميع انهاء حالة الانتظار، والتخلص من الاوضاع المملة والظروف المعيشية المكتئبة وقساوة الهجرة في غربة وطنهم والعودة الى ديارهم بأسرع وقت ممكن...
اخيرا نقول مهما حاول الارهابيون ابادة المجتمع الأيزيدي وبأية وسيلة كانت او اي ظرف يكون، لن يستطيعوا ابادتهم ولم يستطيعوا فنائهم من الوجود.  لقد تغيرت الاوضاع وانتشروا ابناء هذه الشريحة في جميع بقاع الارض، ولم يعد هناك تأثير عليهم في مثل هذه الظروف الاستثنائية، وهم في عصر لا يقبل الاعتداء عليهم، ولن يسمح بحكم القوي على الضعيف، ولا مصير للإرهابيين والجزارين سوى الزوال، وبإمكان الجميع العيش بأمان وسلام ووئام.

إدريس زوزاني
ألمانيا / 20/09/2014